مروان وحيد شعبان
32
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 ) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) « 1 » . ومن الملاحظ أن معجزة صالح كانت من جنس ما شاع في أرجاء الجزيرة العربية من تربية الأنعام ورعيها ، فلو أن صالحا أتاهم بمعجزة غريبة عنهم كعصا موسى مثلا ، أو كإحياء الموتى لاستهجنها القوم واستنكروها ولقالوا بلسان واحد : نحن أمة لا نعرف سحرا ولا طبا ، ولو كان لدينا علم بأعمال السحرة وأساليبهم لدحضنا ما جئت به وأبطلنا معجزتك . وهذا موسى عليه السّلام فلقد اشتهر أهل مصر بالسحر وأفانين السحرة ، ومن هنا كان لزاما أن يؤيد موسى بمعجزة من نوع ما تعارف عليه قومه ليقيم الحجة عليهم ويثبت صدق ما ادعاه ، ومن أبرز معجزاته : العصا واليد ، قال تعالى : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 ) قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) « 2 » . ( فلو أن موسى عليه السّلام ذهب إلى فرعون وقومه بمعجزة لغوية كمعجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم في القرآن وقرأها عليهم ، لقالوا له : إن ما جئتنا به كلام عادي ، ليس فيه إعجاز ، ولا يدل على صدقك ولو كنا نعرف العربية أو نتقنها كالعرب ، لأتيناك بكلام أبلغ من الكلام الذي جئتنا به ولما أفلحت معهم معجزته البلاغية ، وما ذاك إلا لأنهم لا يعرفون العربية ، ولو عرفوها لكانت معرفتهم لها معرفة بسيطة لا تمكنهم من الوقوف على وجه الإعجاز في القرآن ، ولذلك كان لا بد من معجزة تتناسب مع معارفهم وعلومهم ) « 3 » . ( وبعد موسى عليه السّلام انتشرت الفلسفة الأيونية ، وهي أساس الفلسفة اليونانية فيما بعد وكانت تقوم على الأخذ بالأسباب والمسببات ، وتولد العلة من المعلول في انتظام قائم لا يتخلف فجاءت معجزات أنبياء بني إسرائيل في هذا العصر خارقة للأسباب
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآيات 153 - 156 . ( 2 ) سورة طه ، الآيات 17 - 22 . ( 3 ) المعجزة القرآنية ، محمد حسن هيتو ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ، 1409 ه / 1989 ، ص : 23 .